
تركيا والعالم العربي..
محمد بوبوش:باحث في العلاقات الدولية-جامعة محمد الخامس-الرباط
شهدت السياسة الخارجية التركية، خاصة منذ وصول حزب (العدالة والتنمية) إلى الحكم في العام 2002، تغيّرات عدة في التوجهات والتحركات، إذ باتت تعتمد على تعدد العلاقات وعدم حصرها في محور واحد، الأمر الذي حوّل تركيا إلى مركز هام في السياسة الإقليمية والدولية، بعدما كانت تعتاش على أطراف حلف (الناتو) . فوسط العواصف المندلعة قرب حدودها تحتفظ تركيا بهدوئها وحساباتها الواقعية، وتسعى إلى إبعاد النار عن داخلها، وتحاول لعب دور الإطفائي حيث تستطيع، وتقدم نفسها كقوة استقرار في المنطقة، محاولة توظيف قدرتها على التحدث إلى الجميع ومما يساعدها على ذلك أنّ عدد سكانها حوالي 70 مليون نسمة ومساحتها 700805 كلم2، وهي أشبه بجسر يربط بين خمسة عوالم جغرافية-أثنية: الأوروبي، والروسي، والتركوفوني، والإسلامي، والعربي. وقد جمعت تاريخياً بين الحضارتين الهيلينية والإسلامية، وفي حال تطوير دورها الإقليمي فقد تستطيع زيادة فرص التفاعل بين العالم الخارجي والشرق الأوسط، لأنها دولة كبيرة وتشغل حيّزاً استراتيجياً مهماً يطل على رقعٍ استراتيجية هامة: أوروبا والبلقان والبحر الأبيض المتوسط والعالم العربي من جهة، وروسيا وآسيا الوسطى ومنطقة القوقاز من جهة ثانية.
أولا: تصاعد الدورالاقليمي التركي
يستند تنامي الدور التركي إلى نظرية "العمق الإستراتيجي"، التي تعتبر أن موقع تركيا وتاريخها يجعلانها مستعدة إلى التحرك الإيجابي في كافة الاتجاهات، وخصوصاً جوارها الجغرافي، للحفاظ على أمنها وتحقيق مصالحها، لذلك توجب عليهم إنهاء القطيعة التركية لمنطقة الشرق الأوسط وقضاياها، التي استمرت عقوداً طويلة، وكانت تعيش تركيا خلالها حالة من الانطواء والعزلة داخل "هضبة الأناضول"، وتتصرف كدولة هامشية أو طرفية في منظومة المعسكر الغربي وحلف شمال الأطلسي (ناتو).
ويعتبر وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو المنظّر الأهم للإستراتيجية التركية "العثمانية الجديدة" التي قوامها إخراج تركيا من بلد "طرف" عضو في محاور وعداوات، إلى بلد "مركز" على مسافة من الجميع، وفي الوقت نفسه إلى بلد ذي دور فاعل ومبادر في كل القضايا الإقليمية والدولية. وقد وردت ملامح هذه الإستراتيجية في كتابه الأشهر (العمق الاستراتيجي).
لم تتغير سياسة تركيا منذ العام 2002 تجاه التقارب مع العالم العربي ، بل انها تتقدم بإطراد ومع معظم الدول العربية.ومن المؤكد ان تركيا خرجت من ان تكون قوة معادية للعرب كما كانت خلال الحرب الباردة وحتى الأمس القريب.ولا شك ايضا ان الانتماءات الاسلامية لحزب العدالة والتنمية لعبت دورا مهما في تعزيز هذه العلاقات والتوجه شرقا بدلا من الرهان على الاتحاد الاوروبي.وينتظر ان يستمر هذا التوجه الذي ازداد منذ تولي احمد داود اوغلو وزارة الخارجية مباشرة في ايار/مايو 2009 مع استمرار وضع الاتحاد الاوروبي العراقيل امام استئناف المفاوضات بينه وبين تركيا ولا سيما في ما يتعلق بالمسألة القبرصية. ان هذا لا يعني ان الباب الاوروبي قد اغلق امام تركيا او ان تركيا تخلت عن هدف الانضمام الى الاتحاد لكنها مسيرة تبدو طويلة ومعقدة ولا افق حاسما امامها في المستقبل المنظور.لكن حتى لو طرأ تطور ايجابي على المسار الاوروبي فإن تركيا لن تتخلى عن توجهاتها المشرقية الجديدة نظرا لما توفره من مكاسب للمصالح الوطنية التركية ولما حققته بالفعل من تعاظم دورها ونفوذها الذي سيشكل عنصر دعم لموقعها في مفاوضات العضوية الاوروبية.
وقد أثار هذا الدور التركي النشط بأبعاده المتعددة الجدل حول طبيعته وحقيقة الدوافع المحركة له بين اتجاهات تبرز الطابع البراجماتي للسياسة التركية وتركيزها علي تحقيق المصالح الوطنية، وفقا لحسابات قصيرة الأمد، وأخري تؤكد تحول السياسة الخارجية نحو الشرق في إطار استعادة تركيا ذاتها الحضارية الإسلامية تحت قيادة حزب ذي مرجعية إسلامية، وثالثة تؤكد استمرار التوجه الغربي لتركيا وأدوارها بالوكالة في المنطقة مع ارتباط نشاط تركيا بمساعيها لزيادة أهميتها الاستراتيجية لتعزيز فرص انضمامها للاتحاد الأوروبي.
وفي مقابل ذلك، تزايدت تدريجيا مساحة أنصار الخطاب التركي الرسمي لحكومة العدالة من استرشاد السياسة التركية في عهدهم برؤية جديدة متعددة الأبعاد، تري تكاملا لا تعارضا بين الهويات والتوجهات المتعددة للسياسة التركية، وتتمثل عناصرها الأساسية في :
* ضرورة تنشيط الدور التركي في المنطقة بما يتجاوز حدودها المباشرة.
* تغليب الحوار السياسي والمبادرات الدبلوماسية في معالجة الأزمات، ورفض سياسات الحصار والعزل، وتشجيع سياسات الانخراط الإيجابي.
* الاهتمام بالمدخل الاقتصادي لمعالجة الخلافات، وتعزيز الاعتماد المتبادل بين اقتصادات المنطقة.
* ضرورة الحفاظ علي وحدة الكيانات القائمة وطابعها المتعدد في إطار تعزيز التعايش الثقافي.
* أهمية التنسيق الأمني ورفض سياسات المحاور وتأكيد مفهوم الأمن للجميع، مع عدم استبعاد إمكانية استخدام القوة العسكرية، لكن في إطار التوظيف الذكي لعناصر القوة التركية.
وجسدت هذه الرؤية - جنبا إلي جنب مع الأدوار التركية الفعلية تجاه قضايا المنطقة - محاولة حكومة العدالة الالتزام بنهج توفيقي توازني علي كافة المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، بين التركيز علي المصالح الوطنية التركية (الأمنية والاقتصادية والسياسية) من جهة، وإعادة صياغتها وتقديمها في إطار يوفق بين هذه المصالح ومصالح القوي الإقليمية المتعددة من جهة أخري، وبين السعي لزيادة استقلالية الرؤية التركية كدولة إقليمية لها مصالحها المحددة ذاتيا بشكل مستقل عن التبعية لارتباطاتها الغربية من ناحية، وتجنب الصدام المباشر مع رؤي ومصالح وترتيبات الولايات المتحدة والقوي الكبري في المنطقة من ناحية أخرى.
إلا أن الدور التركي واجهته العديد من الصعوبات، من أهمها: حدود القدرات الذاتية، وصعوبة الحفاظ علي الصياغات والمعادلات التوازنية علي كافة المستويات الداخلية والإقليمية والدولية بشكل متزامن، واعتماد العديد من هذه الصياغات التوفيقية علي تعاون الفاعلين المؤثرين علي المستويات كافة. ومثلت الثورات العربية مناسبة جديدة لإعادة استحضار هذه الإشكاليات والجدالات المحيطة بالدور التركي.
وتنظر تركيا إلى المنطقة العربي من زاوية المصالح الحيوية، حيث تشكل الدول العربية أولاً سوقاً ممتازة للسلع التركية التي تحظى في المنطقةبتنافسية لا تحظى بها بالضرورة في السوق الأوروبية. وثانياً تشكل المنطقة العربيةبما تملكه من احتياطات للطاقة عامل جذب بأهمية استثنائية لتركيا التي يتزايد الطلبفيها على النفط والغاز لعاملين أساسيين هما تعاظم قدرات الاقتصاد التركي وطموحتركيا لكي تصبح معبراً لإمدادات الطاقة إلى أوروبا بما يعزز وضعيتها الإستراتيجية. وثالثاً هناك المصالح الأمنية التركية، لأن لعب دور إقليمي في المنطقة يعنيالمشاركة في تحديد الأجندة الإقليمية والوصول بخطوط الدفاعات التركية إلى أبعد نطاقممكن من الأراضي التركية. وتركيا كانت تاريخياً ضحية لعمليات إرهابية سواء علىخلفية سياسية مثل المشكلة الكردية أو المشكلة الأرمينية أو على خلفية إيديولوجية مثلعمليات الجماعات الدينية المتشددة التي تنشط في دول جوارها الجغرافي .
ثانيا: تركيا ومبادرة الجوار العربي
نظرا لتزايد النفوذ التركي في المنطقة العربية ودخولها كطرف معني بأزمات الشرق الأوسط ومشاركتها الفعالة في حل المشكلات الإقليمية ، فقد اقترح الأمين العام لجامعة الدول العربية - خلال القمة العربية التي انعقدت بمدينة (سرت الليبية) في شهر مارس 2010 -إنشاء رابطة الجوار العربي، تضم دول الجامعة العربية، بالإضافة إلى دول الجوار العربي، وطلب من القادة العرب موافقتهم على الفكرة، على أن يتم البدء بتركيا لتشكّل نواة هذه الرابطة، مشيداً بالتطور في السياسة الخارجية التركية، واقترح الأمين العام إطلاق حوار عربي مع إيران، يتحدد - بناءً على نتائجه - الموقف من انضمام إيران إلى هذه الرابطة، وأشار إلى أن الدول الأخرى المجاورة للمغرب العربي بحاجة إلى نظرة مواكبة.
حظي اقتراح الأمين العام لجامعة الدول العربية بشأن إنشاء رابطة الجوار العربي بنصيب وافر من النقد وقدر من التأييد، وفي هذا الإطار يمكن طرح الملاحظات التالية:
1. إن اللجوء إلى دور الجوار في هذه المرحلة التي يواجه فيها العرب مشروعاً للتقسيم هو إضعاف للدور العربي، وفتح الباب للآخرين للتدخل في شؤونه، فضلاً عن أن هذه الرابطة ــ والتي استبعد منها الأمين العام ــ إسرائيل (مؤقتاً) بسبب موقفها من السلام مع العرب، هي رابطة لتجديد دور مثلث القوميات التي يحيط بالعالم العربي، والمتمثل بإسرائيل وتركيا وإيران، استناداً إلى أن العلاقة بين أعضاء هذا المثلث كانت تقوم على الدوام على حساب العرب، ولها جوانب عسكرية وأمنية واقتصادية لا تصبّ في مصلحتهم، ورغم أن علاقات مثلث تركيا ــ إيران ــ إسرائيل شهدت توترات، وهي اليوم في حال من عدم الانسجام، خصوصاً بين إسرائيل وتركيا، ونأخذ صورة العداء بين إيران وإسرائيل، إلاّ أن حجم التعاون على المستوى الاستراتيجي لم يغيّر الإطار السياسي الجغرافي لهذه العلاقة، فهذه الدول تعيش حالة افتراق وعزلة عن محيطها العربي، فتركيا وإيران تدركان أن الانضواء تحت الأخوة العربية الإسلامية سيكون على حساب نزعتها القومية، وإسرائيل تستند إلى الدين في قوميتها، فضلاً عن أن لكل منها تاريخاً غير محمود مع العرب .
2. وهناك من اعتبر الرابطة ترحيل المشاكل من قِبل الجامعة إلى مستقبل لن يعالجها، ومعتبراً أن إنشائها سوف يجعل العرب: أقرب إلى مدى حيوي للدولتين الجارتين (تركيا وإيران) اللتين تخاطبان بأرخص الأثمان عواطف لم نعد نملك سواها: تركيا تفعل ذلك بكلمات حماسية يتفوه بها (رجب طيب أردوغان) بين وقت وآخر، وإيران بوعود يطلقها (محمود أحمدي نجاد) متعهداً إزالة دولة إسرائيل، ومن يدري فقد يأتي الغد بمنافسة على العرب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ