النص الكامل لخطاب صاحب الجلالة بمناسبة عيد العرش

أغسطس 12th, 2007 كتبها محمد بوبوش-باحث في العلاقات الدولية-الرباط نشر في , خطب

النص الكامل لخطاب صاحب الجلالة بمناسبة عيد العرش
طنجة  30/07/2007

وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس, اليوم الإثنين, خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى الثامنة لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين. وفي ما يلي النص الكامل لخطاب جلالة الملك: "الحمد لله, والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه شعبي العزيز, نخلد اليوم, الذكرى الثامنة لاعتلائنا العرش, في مرحلة تاريخية, حافلة بإصلاحات عميقة, وقضايا مصيرية. وفي سياق تحولات متسارعة, وتحديات, لا سبيل لرفعها إلا برؤية شمولية واضحة, وبالتخطيط المحكم للأسبقيات الملحة. والاستمرارية في تعزيز ما تحقق من منجزات. والنهوض بالإصلاحات, التي لا مناص منها, لبناء مغرب المستقبل. مغرب المبادرات والإنجازات, والأوراش وكسب الرهانات, مهما كان حجم التحديات. سبيلنا انتهاج المقاربة الديمقراطية, التشاركية, في اعتماد على الذات وعلى مواردنا البشرية, التي هي أفضل نعمة يمكن أن يطلبها الإنسان من خالقه. وإني أخاطبك, بصفتي أميرا للمؤمنين, مؤتمنا على قيادتك, بالبيعة والدستور. كما أتوجه إليك, باعتباري ملكا - مواطنا أستشعر الانشغالات الحقيقية لكل مغربي ومغربية, من خلال تفقدي الميداني لأحوالهم. وهو ما يجعلني حريصا, في نفس الوقت, على التوجهات الكبرى, والانشغالات اليومية للمغاربة قاطبة. ضمن نسق متكامل من الأسبقيات, لتعزيز الإصلاحات البنيوية المنجزة, وتسريع التفعيل الأمثل لتلك التي هي في طريق الإنجاز, والنهوض بأخرى جديدة. شعبي العزيز, تعرف قضية وحدتنا الترابية منعطفا حاسما, أفرزتـه المبادرة المغربية للتفاوض, بشأن تخويل أقاليمنا الجنوبية حكما ذاتيا, في إطار سيادة المملكة, ووحدتها الوطنية والترابية. وإننا لمرتاحون لموقف مجلس الأمن, والأمم المتحدة, في دعمها لمبادرتنا, ووصفها بالجدية والمصداقية, ولكل رعاية أممية مسؤولة وبناءة, للتفاوض الجاد والصادق بشأنها. كما نشيد بالقوى الفاعلة في المنتظم الدولي, والبلدان الشقيقة والصديقة, التي ساندتها. وهو ما جعلها تفرض نفسها على الأجندة الدولية. باعتبارها, شكلا ومضمونا, نمطا حديثا لتقرير المصير, مطابقا للشرعية الدولية غير المغلوطة. ونود التأكيد, باسمك شعبي العزيز, على عزم المغرب الصادق على التفاوض الجاد, على أساس أمرين: أولهما أن بلادنا قد شاركت بحسن نية, في الجولة الأولى من المفاوضات. والمغرب على استعداد دائم للتفاوض على الحكم الذاتي فقط, كل الحكم الذاتي, ولاشيء غير الحكم الذاتي. وثانيهما, أن الحكم الذاتي المتوافق حوله, لن يكون إلا في إطار سيادة المملكة المغربية الكاملة والدائمة, غير القابلة للتصرف, والتي لا مساومة فيها. ووحدتها الوطنية المتلاحمة, التي لا تفريـط فيها. وحوزتهـا الترابية غير القابلة للتجزئة. ومهما يكن مسار المفاوضات شاقا وطويلا, فإن يدنا ستبقى ممدودة إلى كل الأطراف الحقيقية, المعنية بالتسوية السياسية لهذا النزاع المفتعل, لإقناعها بالفرصة التاريخية, التي تتيحها. غايتنا جعلها انتصارا لجميع الأطراف, وللحق والمشروعية, وفرصة لتغليب روح الأخوة وحسن الجوار, والوحدة المغاربية. وإننا لواثقون من كسب مسار تقرير المصير التوافقي, بعون الله, وبفضل الإجماع الوطني, بمشاركة جميع الصحراويين, دونما إقصاء أو تمييز. داعين كافة رعايانا الأوفياء, أبناء الصحراء المغربية, المغتربين عن الوطن, أينما كانوا. ولا سيما المحاصرين بتندوف, للعمل على توسيع انخراط كل إخوانهم, في هذه المبادرة المحققة لمصالحتهم ولمِّ شملهم, وصون كرامتهم. وفي هذا السياق, نتوجه بعبارات الإشادة والتقدير, لقواتنا المسلحة الملكية. ولاسيما تلك المرابطة بأقاليمنا الجنوبية. مؤكدين لهـا سـابغ رضانا. واعتزاز الشعب المغربي بصمودها, وبتضحياتها, في سبيل صيانة وحدة الوطن. وسنظل حريصين على النهوض بالأوضاع الاجتماعية, لكل فئاتها, بما فيها المتقاعدون. ولتعزيز التحول الإيجابي, الذي أفرزته هذه المبادرة الواعدة, فإننا مطالبون بدعمها بمبادرات ديمقراطية وتنموية, في إطار استراتيجية شمولية. علاوة على التعبئة الجماعية, وتمتين الجبهة الداخلية. فالمبادرة غرس طيب, علينا أن نتعهده بالرعاية المستمرة. وسيلتزم المغرب بكل اتفاق سياسي على أساسها, مع جميـع الأطراف الفعلية. وكيفما كان الحال, فلن يكون المغرب رهينة لحسابات الغير. بل سيمضي قدماً في تطوره السياسي. سلاحنا الذي لا تحده قوة, هو رصيدنا الديمقراطي الثمين, والذي يحق لنا الاعتزاز بـه كنموذج متقدم في منطقتنا. وفي هذا السياق, فإن على الجميع أن يجعل من انتخاب مجلـس النواب المقبل, موعدا جديدا لترسيخ الممارسة الديمقراطية المألوفة. وتجسيد إرادتك الحقيقية, وإفراز أغلبية حكومية ذات مصداقية ومعارضة فاعلة وبناءة, على أساس برامج ملموسة وهادفة, وليس شعارات فارغة مبتذلة للإصلاح والتغيير. فمن شأن ذلك أن يفضي إلى مزايدات عبثية, شعارها: ""إصلاح الاصلاح وتغيير التغيير"". وستجدني, شعبي الوفي, دوما في مقدمة المتصدين لكل خطاب مشكك في جدوى الانتخابات والأحزاب الوطنية. وكذا لكل الممارسات المغرضة, التي تستهدف مصداقيتها. فما بلغناه من نضج سياسي, يقتضي نبذ المفاهيم الخاطئة العدمية والتضليلية لحرمة الاقتراع. فالانتخابات ليست صراعاً حول هوية الدولة أو مقومات نظامها. من إسلام وسطي منفتح, وملكية دستورية, ووحدة وطنية وترابية, وديمقراطية اجتماعية. فتلكم ثوابت تعد محط إجماع وطني راسخ. ولا وجود لدولـة بدون ثوابت ومقدسات. كما أن جوهر الاقتراع, لا يكمن في التنافس حول الاختيارات الكبرى للأمة, التي هي موضع توافق وطني, وعماد التطـور العصري. كدولة القانون والمؤسسات, والمواطنة القائمة على الالتزام بحقوق وواجبات الإنسان, والليبرالية الاقتصادية, والمبادرة الحرة, والتضامن والعدالة الاجتماعية, والانفتاح على العالم. وهو ما نحن مؤتمنون على استمراره مهما تغيرت الظرفيات. وذلك في نطاق منظورنا للملكية المواطنة. وحتى لا تتحول ثوابت الأمة وخياراتها إلى مجرد شعارات؛ فإننا نسجل بارتياح التوجه الجديد للأحزاب الجادة. وهذا هو الأهم, لطرح برامج انتخابية محددة وواضحة. وذلكم هو المجال الفسيح لجدوى الانتخابات, المفتوحة أمام تنافس الهيئات الحزبية, وتحديد أسبقيات الولاية التشريعية القادمة لحسن تدبير الشأن العام , وفق الاختيار الشعبي الحر. وهنا أريد التأكيد أن النظام الذي ارتضيناه, هو الملكية الفاعلة, التي لا تختزل في مفهوم أو سلط منفصلة تنفيذية, أو تشريعية أو قضائية. إنها الملكية المغربية الأصيلة التي عززناها بالمواطنة التنموية, في التزام بمشروعيتها,الدينية والتاريخية والدستورية والديمقراطية, ووفاء لكفاحها الوطني, وتضحياتها من أجل سيادة الوطن ووحدته وتقدمه, وما يميز شعبها وعرشها من تجاوب عميق. ومهما كانت مشروعية الديمقراطية النيابية التقليدية, فإننا نرى من الضروري استكمالها بالديمقراطية التشاركية العصرية. الأمر الذي يمكننا من الإفادة من كل الخبرات, الوطنية والجهوية, والمجتمع المدني الفاعل, وكافة القوى الحية للأمة, ومشاربها وتياراتها, أيا كان موقعها, والتي لها مكانتها لدى جلالتنا, ورأيها المحترم في الشأن العام, في نطاق سيادة القانون ودولة المؤسسات. وهذا ما يشمل القضايا المصيرية للأمة. وفي جميع الأحوال, فإننا ملتزمون بعرض مقترحاتها على المؤسسات الدستورية, والهيئات المختصة, للبت فيهـا. كما ننتظر من أحزابنا الوطنية, إبراز نخب مؤهلة لحسن تدبير الشأن العام, والمساءلة والمحاسبة على حصيلة أعمالها. ومن هنا أعول عليك شعبي الوفي, في استشعار جسامة المسؤولية الملقاة عليك, في حسن اختيارك لممثليك, من خلال انتخابات نزيهة, سيكون لنا موعد قريب للوقوف معك, على ما يلزم لجعلهـا محطة هامة, للمضي قدما من أجل تتويج الإصلاح المؤسسي التدريجي بتغيير شامل وأسمى. بيد أن هذا لا ينبغي أن يحجب عنا وجوب إعطاء الأسبقية, في المرحلة الراهنة, لمسألتين ملحتين: أولاهما, دعم ومواكبة الدينامية الإيجابية, التي خلقتها مبادرة الحكم الذاتي, في تعبئة شاملة لخوض المراحل المقبلة. والثانية: كسب رهان الاستحقاقات الانتخابية القريبة, لإفراز مشهد سياسي معقلن وسليم. عماده أغلبية منسجمة, تنبثق عنها حكومة متراصة. حكومة فعالة, قائمة على أقطاب محددة, متكاملة وناجعة, وفق أولويات السياسة العامة للبلاد. وليس مجرد اعتبارات سياسوية ضيقة, أو حسابات عددية. فمجالات العمل السياسي النبيل واسعة. ولا تنحصر فقط في الفوز بمقعد برلماني, أو منصب حكومي, بل تشمل المجال الفسيح والأقرب للمواطن, من خلال الصلاحيات الواسعة المخولة للجماعات المحلية. سواء كانت من الأغلبية أو من المعارضة, بفعل الانتخابات التي تمكنها من سلطة فعلية في تدبير شؤونك اليومية. شعبي العزيز, إن تحصين مكاسبنا الديمقراطية, رهين بمواصلة مسارنا التنموي, وتوطيد الأمن والاستقرار وإدارة القرب. وفي هذا الصدد, فإننا حريصون على إعطاء دفعة قوية للمشاريع الواعدة, للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية, باعتبارها ورش عهد مفتوح باستمرار. وسنظل ساهرين, ميدانيا, على المتابعة والتقويم المستمر, لحسن إنجاز مشاريعها. ولن نسمح بأي توظيف مغرض أو مصلحي, يحولها لمجرد شعار أجوف. فهدفنا الأسمى ينبغي أن يظل النهوض بأوضاع الفئات, التي تعاني آفات الفقر والأمية, والتهميش والإقصاء, بما يكفل تحصينها من نزوعات التطرف والانغلاق والإرهاب. وفي هذا الصدد, نجدد التأكيد أن الجميع مسؤول عن تحرير الطاقات الخلاقة والمتنورة للشباب, واستثمارها في الأعمال الخيرة. بدل تركها لقمة سائغة للظلاميين, الذين يشحنون ضعاف النفوس والعقول, بحملها على الأفعال الانتحارية, المحرمة شرعا وقانونا.وفي هذا السياق, نجـدد تنويهنا بالإدارة الترابية, وبأسرة الأمن الوطني, والدرك الملكي, والقوات المساعدة, والوقاية المدنية, مؤكدين موصول عنايتنا بكافة الساهرينعلى شؤون الدفاع والأمن. رعاية منا لأوضاعهم الاجتماعية, وتكفلا بأسرهم, بما هو جدير بتضحياتهم, في سبيل أمن المواطنين وحوزة الوطن. كما نعتز بما أبانوا عنه من يقظة وتعبئة وتفان, في التصدي للأفعال الإجرامية, من عدوان وإرهاب و

المزيد