أهمية الجهوية السياسية في دعم الوحدة الوطنية
محمد بوبوش:باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي-جامعة محمد الخامس-أكدال-الرباط
مما لا شك فيه أن المغرب أصبح الآن مقتنعا بحتمية تحقيق إصلاح جهوي فعلي يستجيب لتطلعات المجتمع المدني بمختلف مكوناته الثقافية واللغوية.فالجهة ستشكل مستقبلا إطار لإنعاش وتنمية وسائل وآليات جديدة بل وإتاحة استعمال أفضل الموارد البشرية والطبيعية.
إن الحكم الذاتي تحت السيادة الكاملة والوحدة الترابية للمغرب وفي إطار جهوي موسع، جعل مسألة الجهوية مطلبا وطنيا استعجاليا، بهدف إعطاء الجهات هامشا أوسع في التسيير الذاتي والتخلص من المركزية الضيقة.
تندرج الجهة في إطار تشييد مغرب عصري ما فتئ الملك الراحل الحسن الثاني يطمح إلى تحقيقه بعد أن سهر على ضمان إرساء أسسه بكيفية تدريجية وملائمة.
وبالفعل،فقد احتلت الجهة على الدوام مكانة متميزة في فكر واستراتيجية الملك الراحل الهادفة إلى جعل المغرب دولة عصرية متماسكة بتقاليدها العريقة المتسمة بالدور الديناميكي المثري بمكوناته المحلية والجهوية والمؤهلة في نفس الوقت لرفع تحديات العصر بأوفر حظوظ النجاح.
واعتبارا لمؤهلات المغرب الطبيعية، حيث تنسجم الوحدة بشكل متناغم مع التنوع الجغرافي والبشري والثقافي والاقتصادي،وبفضل الأهداف النبيلة التي خطها له الملك الراحل بحكمة وأناة وعمل على تحقيقها بالتدريج،فإن مغرب اليوم، بعد أن تراكمت لديه التجارب والنتائج الأولى للديمقراطية واللامركزية،قد بلغ مستوى من النضج يؤهله لولوج مرحلة جديدة لترسيخ الديمقراطية المحلية التي ستوظفها الجهوية لخدمة الازدهار الاقتصادي والاجتماعي.
وهكذا فإن الجهة تبدو إطارا ملائما وحلقة رئيسية قادرة على إتمام واستكمال الصرح المؤسساتي للمملكة باعتبار أن الجهة ستبدع هيئة جديدة ستمكن ممثلي السكان من التداول في إطارها،بكيفية ديمقراطية،من خلال منتخبيهم في الجماعات المحلية والهيئات الاجتماعية المهنية،في شأن مطامح ومشاريع جهاتهم وبالتالي إعطاء الانطلاقة لديناميكية متميزة للمنافسة والتنمية الجهوية المندمجة.
ومن شأن هذا الفضاء الجديد للتداول والتشاور والتكوين لخدمة المصلحة العامة أن يمكن بشكل أقوى من ترسيخ الديمقراطية على المستوى المحلي بفضل اضطلاع المواطنين بصورة أوسع بطرق تسيير شؤونهم بأنفسهم.
وهذا يقودنا إلى التساؤل عن إمكانية استيعاب مشكلة الصحراء في سياق تطوير الديموقراطية المحلية التي ترعى حقوق السكان المحليين؟ لاشك في أن الجهوية هي أساس تدعيم التنمية المحلية. ومن المؤكد أن الجهوية المعمول بها حاليا وهي جهوية وإدارية لا يمكن أن تشكل حلا لقضية الصحراء بل لا بد من تطوير الجهوية الإدارية إلى جهوية سياسية قادرة على الحفاظ على الوحدة الترابية للدولة.
على إثر التطورات التي عرفتها كل من قضية الصحراء والمسألة الديمقراطية، هل يمكن تأسيس ترابط بين هذين المعطيين؟ وهل يمكن القول بأن الديمقراطية المحلية في معناها الواسع أي في إطار الحكم الذاتي سيهب ريحها من الجنوب؟
إن مسألة الاستقلال الذاتي والجهوية هي فكرة سبق لأحد برلمانيي الحزب الشعبي السيد Javier Ruperez أن دافع عنها لنقول إن أمكن أن قضية الصحراء مثلت أو حلت محل المشروع المجتمعي الذي كانت الدولة المغربية في حاجة ماسة إليه لتعبئة الشعب المغربي، من السلم وتجديد الشرعية والحماسة الوطنية وربطها بنوع من الانفراج السياسي لضمان حد أدنى من السلم والاستقرار السياسي والاجتماعي لا سيما إذا تم مزج تطور المسألة الديمقراطية الراهنة بتطور قضية الصحراء،وتلاقحهما، وانفتاح النظام السياسي عن طريق تحديث بنياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية،ومن تم المرور إلى الدولة الجهوية. ومن المؤكد أن السمو بالديمقراطية المحلية، وباللامركزية نحو الرقي، سيساعد المغرب على مواجهة طوفان العولمة والمحافظة على هويتنا وأصالتنا وعلى وحدتنا الوطنية والترابية والاجتماعية من جهة، كما يساعد على ضمان الاستقرار السياسي على المستوى الداخلي، وكذا على مستوى العلاقات مع الدول المجاورة كالجزائر، كما أن السياسة الجهوية تمثل حلا مقنعا لاستكمال الوحدة الترابية، وعاملا مهما للاستقرار وللنهوض بالتنمية.
إن سياسة اللامركزية والجهوية، أصبحت إحدى أهم الأسس التي تتميز بها الأنظمة المعاصرة بل إنها أضحت مكونا رئيسيا لهذه الأنظمة، إلا أن درجة الأخذ بهذا النظام تختلف من دولة لأخرى، تبعا لخصوصيات كل بلد لأن الظواهر السياسية تمتاز بالخصوصية.
لقد صارت الجهوية السياسية وسيلة للحفاظ على وحدة الدولة العصرية من خلال اعترافها بذاتية المجتمعات المحلية التي قد تكون أقليات سياسية اجتماعية أو عرقية في إطار من التضامن والانسجام الوطنيين، لهذا نجد أن الدول التي عانت من المركزية الشديدة في التسيير والحكم هي التي تبنت أرقى أشكال الجهوية العصرية كإسبانيا وإيطاليا وألمانيا. تعتبر الجهوية السياسية régionalisme politique أقصى درجة اللامركزية في إطار الدولة الموحدة دون الوصول إلى مستوى الدولة الفيدرالية، حيث تتوفر فيها الجهة على سيادتها وبالتالي فهي وسيلة لتحديث الدولة دون تجزئة سيادة الدولة. إن الجهوية على هذا الشكل تسعى إلى هدفين رئيسيين هما: تعميق التعددية السياسية والثقافية من جهة، والحرص على الاندماج الاجتماعي والتضامن المجتمعي.
والجهوية السياسية أساسها دستوري، وهي تعد أرقى أنواع الجهوية الحديثة في الدول المتقدمة، فهي تمثل سلطة سياسية حقيقية متميزة عن سلطة الدولة، فهي جماعة ديموقراطية مسيرة من طرف أجهزة سياسية منتخبة بطريقة مباشرة، والجهة هي أعلى مرتبة في مستويات اللامركزية الترابية إذ لا تتوفر فقط على اختصاصات إدارية وإنما أيضا لها اختصاصات تشريعية وتنظيمية أصلية محددة دستوريا.
كما تتوفر الجهة في إطار الجهوية السياسية على سلطة تحديد نظامها القانوني وطرق عملها وأجهزتها، وهي تتقاسم مع السلطة المركزية الوظائف السياسية خاصة في الميدان التشريعي والتنظيمي.
إن نظام اللامركزية الإدارية القائم على وحدات إدارية محلية مستقلة تنتظم في شكل قرى أو بلديات أو محافظات لم يعد يتناسب مع تطور الحياة العصرية ومع تغير مفهوم وظيفة الدولة، الأمر الذي أوجب على الدولة أن تعيد النظر في التقسيم الإداري الذي تنتهجه بحيث تخلق أقساما جديدة تستجيب لدورها الجديد في التخطيط والإنماء، فكانت المناطق والجهات والأقاليم التي اعتبرت وسيلة لا أكثر أو إطارا حديثا لعمل الدولة الإنمائي، وهذا ما كان في فرنسا حيث أنشئ فيها 22 منطقة جديدة كإطار لعمل الدولة الإنمائي.
إذا كانت المسألة الجهوية تثير تخوفا لدى البعض فإن هذا التخوف من كون إقرار جهوية متطورة من شأنه أن يؤثر على وحدة البلاد، تخوف غير مبرر،إذ أن العكس هو الذي يمكن أن ينطبق على هذه الحالة، حيث أن مركزة القرار فرض وصاية شديدة على الجهات يجعل هذه الأخيرة تتطلع إلى تحقيق أكبر قدر من الاستقلال،يكون مواجها بالرفض، وهنا يكمن الخطر من أن يكبر الشعور بالنفور بين الجهات والإدارة المركزية,لذا فإن القول بأن سياسة الجهوية تشكل خطرا على وحدة البلد قول غير صحيح، فالتجربة في دول أخرى رائدة في مجال الجهوية واللامركزية أثبتت أن الجهوية دعمت وحدة هذه الدول رغم اختلاف ظروف كل منها.
وخير مثال قريب منا ما يدل على أن نهج سياسة الجهوية يدعم ويحافظ على وحدة تماسك الدولة، التجربة الإسبانية، حيث إنه بفضل تبني سياسة الجهوية يدعم استطاعت إسبانيا أن تحتوي النزاعات الانفصالية وبالتالي المحافظة على وحدة الدولة. كما أن إيطاليا كانت تعرف اختلافا واضحا بين الشمال والجنوب يهدد وحدة الدولة وانفصال الجنوب عنها،وساهم إقرار الجهوية على احتواء كل تلك التناقضات وأصبحت إيطاليا بفضل السياسة الجهوية دولة موحدة قوية،واستطاعت أن تضع حدا لتلك الاختلافات، كما أن اللاندر الألماني ساهم إلى حد كبير في دعم وحدة ألمانيا وتطورها.
إن الوعي بإدارة شؤون الدولة مركزيا أصبح مستحيلا،إذ أن الحاجات المتولدة يوما بعد يوم بالإضافة إلى المتطلبات الحالية، تدعو إلى تبني سياسة جهوية تستطيع أن تكون عاملا للتنمية المستديمة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهذا لن يتأتى إذا استمر التعثر في مسلسل اللامركزية بالشكل الحالي،وفي هذا الإطار يجب أن تكون الإدارة المركزية بالنسبة للجهات بمثابة الأم الحاضنة وأن ترعى احتياجاتها المادية، والحفاظ على علاقة روحية تجمعها بها، إذ تستطيع دعم الجهات الفقيرة عن طريق تحويل فائض الجهات الغنية إليها ورعايتها مثلما تقوم الأم برعاية أطفالها، وبذلك تستطيع الدولة بفضل سياسة جهوية ناجحة القضاء على الاختلالات فيما بين الجهات.
وكان الملك الراحل الحسن الثاني قد لمح إلى قيام تنظيم جه














