مفهوم المصلحة الوطنية في السياسة الخارجية المغربية
محمد بوبوش: باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي-جامعة محمد الخامس-أكدال-الرباط
تعتبر المصالح الوطنية بمثابة القوة الدافعة والمحددة لاتجاهات السياسات الخارجية للدول،وكل اختلاف في تفسير مضمون المصالح الوطنية من جانب أجهزة اتخاذ القرارات المسؤولة، لابد أن يترتب عنه بالضرورة تغييرات مماثلة في مضمون هذه السياسات الخارجية. إن أصل هذا المفهوم يعود إلى قيام نمط العلاقات الدولية القائم على "نموذج الدولة –الأمة" كفاعل أساسي وككيان موحد ومستقل وذي سيادة. وقد طرح مفهوم المصلحة الوطنية على الصعيد الأكاديمي وكذا العملي بعض الصعوبات المتعلقة بتحديد مضمونه وإشكالية اتخاذه كأداة عملية لتحليل وتفسير السياسة الخارجية للدول.
وهكذا نجد أن "المصالح الوطنية" تمثل المقام الأول في مركب علاقات الدولة الخارجية، وإن إدامتها وتعزيزها هي غاية السياسة الخارجية.وبذلك أصبح مفهوم "المصلحة الوطنية" من أكثر المصطلحات شيوعا في القاموس السياسي والدبلوماسي يستخدمه السياسيون، وصانعو القرار، والمحللون، والمعلقون، وحتى الجمهور غير المختص عند الحديث عن العلاقة بين دولتين. لكن إذا أمعن المرء في استخدامات السياسيين وصانعي القرار لمفهوم المصلحة الوطنية فإنه يجد نفسه أمام تناقض أو ارتباك في استخدام هذا المصطلح. ولايزول هذا الغموض أو التناقض إلا بتذكر مبدأ الازدواجية في التعامل مع مفهوم المصلحة الوطنية نفسه،فمن جهة يستخدم مفهوم المصلحة الوطنية كمعيار لتقويم حالة سياسية معينة أو قضية معينة،ومعرفة ماهو في الميزان تجاه قضية وطنية أو مجموع قضايا، الموقف أو السلوك الذي يجب على الدولة أو صانع القرار اتخاذه حيالها.ومن جهة ثانية كثيرا ما يستخدم مصطلح المصلحة الوطنية بشكل لاحق من أجل تبرير قرار اتخذ بشأن مسألة بناء على أهداف أو رغبات زعيم أو قيادة أو حسابات شخصية لقائد أو مصالح حزبية ضيقة لفئة، أو أقلية ذات نفوذ في الدولة والمجتمع.وفي هذه الحالة يكون مفهوم المصلحة الوطنية عبارة عن فتوى نفسية لتلك القيادة أو جزء من آلة الدعاية لزعيم أو مسؤول معين أو حزب أو فئة. من هنا فإن مفهوم المصلحة الوطنية قد يكون وصفا موضوعيا لواقع سياسي استراتيجي أو لمصلحة يجب تقديرها واختيارها من بين غيرها، وقد يكون إسقاطا ذاتيا أو تبريرا شخصيا لسياسة تم تبنيها بشكل عفوي وبناء على مصالح أو تصورات ليست وطنية ولا تحظى بالدعم الوطني ولايوجد إجماع عليها.وضمن المفهوم الموضوعي-فإن المصالح الوطنية تكون هي المحددات الأساسية والحاجات الجوهرية(الصميمة) أو المعايير النهائية التي بموجبها تصيغ الدولة أهدافها ومقاصدها،وترسم سياستها الخارجية وإستراتيجيتها وتكتيكها الدبلوماسي عبر مؤسساتها الدستورية وعلى أساس مشاركة أكبر قطاع ممكن من الأجهزة المختصة،والرأي العام في الأنظمة الديمقراطية.وإذا ما قمنا بتحليل مصطلح مصالح وطنية فإننا نجد له تجليات ودلالات كثيرة. فهناك مصالح مشتركة أو متكاملة أو متطابقة، وهناك مصالح متضاربة متناقضة وأخرى متفاوتة شيئا ما، وهناك مصالح أساسية للدولة، وأخرى ثانوية.ثم هناك مصالح حيوية وأخرى مشروعة، وكذاك يوجد مصالح جوهرية وأخرى محدودة أو محددة، وأخرى ضرورية.وفي محاولة مقاربة مصالح الدول فإن النجاح أو الفشل في تحقيقها محكوم بعوامل كثيرة من أهمها: طبيعة المصالح التي في الميزان ومدى شموليتها، وكذلك درجة ثباتها أو ديمومتها. ولايمكن الحديث حول مفهوم المصلحة الوطنية بشكل عام دون الإشارة إلى البعد الأخلاقي للمصلحة الوطنية وعلاقة المصلحة بالقوة.
إن تعريف المصالح الوطنية القومية للدولة أو الأمة على أساس التمسك بمثل عالمية، وأفكار ومعايير إنسانية كونية، وحماية مبادئ سامية أمر غير عملي، ولن يقود إلا إلى فشل السياسة الخارجية للدولة المعنية وربما التوتر في علاقاتها مع الدول الأخرى.فلابد من أن يستند تحديد المصالح الوطنية على مبدأ أعلى للدولة وهو تأمين البقاء للأمة ولمؤسسات الدولة. وفي العلاقات الدولية تنتعش روح البقاء الوطني من خلال القوة.فالقوة هي أوكسجين المصلحة الوطنية والدم الذي يغذيها. وهذا ما يقودنا إلى الإشارة إلى العلاقة التكاملية بين المصلحة الوطنية والقوة، فكلاهما متمم للآخر ومكمل له.فالقوة من جهة هي وسيلة لحماية المصالح الوطنية للدول، مثلما هي غاية بحد ذاتها للمصلحة الوطنية،أي أن أعلى مرتبة للمصالح الوطنية في المطلق هي تعزيز قوة الدولة الوطنية في المفهوم الشامل.ولكن نجد على الصعيد العملي أن هناك باستمرار تفاوت بين القوة والمصلحة الوطنية حتى لأكبر الدول وأغناها. فحاجات الدول ومجتمعاتها وتطلعاتها لانهائية.ولا توجد دولة تتمتع بعناصر قوة كافية لتحقيق تلك الحاجات أو الرغبات.لذلك لابد من وضع سلم أولويات للمصالح والمفاضلة بينها.وتتميز قيادة أي بلد عن غيرها من خلال درجة الفهم الذي تبديه لأولويات الأمة والمجتمع وقدرتها على توفير القوة لحمايتها،ومدى تحقيق التناغم بين القوة والمصالح الوطنية تلك. ومن المعروف أن مفهوم القوة نسبي ديناميكي مثلما أن المصالح الوطنية متغيرة من حيث المضمون والأولوية.ولهذا نجد أن ثبات المصالح الوطنية خلال فترة من الزمن هو أمر نسبي ويعتمد على:
- طبيعة المصالح الوطنية نفسها،خاصة السياسية منها. - درجة ثبات البيئة السياسية التي تصاغ من خلالها السياسات والبرامج والخيارات المتاحة لمتابعة المصالح الوطنية للدولة وحمايتها وخدمتها. - مدى توفير خيارات سياسية جديدة أمام صانعي القرار والمخططين أم عدمه من أجل إدامة المصالح تلك.وبما أن البيئة السياسية أو الدولية التي تؤثر في تحديد تلك المصالح وترتيبها متغيرة، مثلما أن توفر الخيارات السياسية أمر يخالف من حين لآخر، فإننا نجد أن المصالح الوطنية الأساسية الثابثة نسبيا قد تتغير مع الزمن. إن مفهوم المصلحة الوطنية مفهوم غامض وملتبس ومتبدل ويصعب تحديده تحديدا مجردا خارج التصورات الفعلية لدى الدول، وخارج ظروف وملابسات هذه التصورات.كثير من البلدان النامية المدينة تقبل بتوصيات صندوق النقد الدولي، فهل هذا من مصلحتها؟لماذا تفضل تحقيق أهداف اقتصادية (إعادة جدولة الديون مثلا) على الحفاظ على استقلال قرارها الداخلي؟ ما السر في تمسك إيران ببرنامجها النووي وإصرارها على تخصيب اليورانيوم؟ ما مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية في بقاء جيشها بالعراق؟ في 13غشت سنة 1984 عقد معاهدة اتحاد مع الجماهيرية الليبية، وفي سنة 1986 رأى أن مصلحته تقتضي إلغاء هذه المعاهدة؟ لقد حدد الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجالاة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة الذكرى العاشرة لاعتلاء جلالةع عرش البلاد ستة مصالح وطنية في السياسية الخارجية:
1- قضية الصحراء والبناء المغاربي.
2- التضامن مع قضايا وهموم العالم العربي والإسلامي.
3- تعزيز التعاون والشراكو مع الدول الإفريقية الشقيقة.
4- مضاعفة الجهود للتفعيل الأمثل للوضع المتقدم مع الإتحاد الأوربي.
5- الإنخراط في المبادرة الواعدة للاتحاد من أجل المتوسط.
6- الانخراط الفعال في الأجندة متعددة الأطراف،وفي حل القضايا العالمية الشمولية. تحتل مسألة الوحدة الترابية للمملكة المغربية مصلحة وطنية عليا ولها الأولوية على كل القضايا الأخرى، فقضية الصحراء الملف الأكثر أهمية في السياسة الخارجية المغربية، والمتتبع لهذا الملف يرى كثرة الحلول التي كان يقبلها المغرب تبعا لمصلحته الوطنية، فلماذا قبل المغرب الاستفتاء في الصحراء عقب مؤتمر نيبروبي سنة 1984؟ ثم لماذا تراجع عنه؟ما مصلحة المغرب في طرح مبادرته حول الحكم الذاتي لجهة الصحراء وقبول التفاوض حول هذه المبادرة؟ إن إجراء الاستفتاء لم يعد ممكنا بسبب العراقيل والمعوقات التي وضعتها جبهة البوليساريو والتي جعلت تطبيقه مستحيلا على أرض الواقع،وبات البحث عن حل سياسي واقعي ومتوافق بشأنه أمرا محسوما لإخراج قضية الصحراء من المأزق الذي وضعت فيه،وبالتالي فإن المغرب رأى أن من مصلحته تقديم نوع من التنازل، وإمساك العصا من الوسط، ونهج دبلوماسية هجومية بدل التفرج وانتظار الحلول الخارجية وهذا ماكانت تريده الجزائر، لذلك تقدم المغرب بمبادرته حول الحكم الذاتي القائمة على الديمقراطية والشرعية الدولية،والتي لاقت استحسانا وتفهما من قبل المجموعة الدولية،لأنها مبادرة بناءة وواقعية تقوم على إشراك سكان الأقاليم الجنوبية في تدبير أمورهم بكل حرية عبر هيآت تنفيذية وتشريعية وقضائية وتحترم الخصوصيات المحلية والجهوية. يقول صاحب الجلالة الملك محمد السادس في الخطاب السامي بمناسبة الذكرى 32 للمسيرة الخضراء-خطاب 6 نونبر2007: ".
…وإن المملكة لمستعدة لمواصلة التفاوض العميق، في انفتاح على كل الاقتراحات البناءة، عاملة على توفير الثقة اللازمة لتسفر المفاوضات، مع كل الأطراف المعنية، عن إيجاد حل نهائي لهذا النزاع المفتعل. كما أننا لن ندخر أي جهد لإنجاحها، غايتنا تفعيل الاتحاد المغاربي وتسخير طاقات شعوبه، لتحقيق التنمية ورفع تحدياته














