
الجامع الأزهر
السيد أبو داود
على المهتمين بجانب النقد الذاتي في الحركة الإسلامية المعاصرة، أن يدرسوا مبادرة وقف العنف التي أطلقتها الجماعة الإسلامية عام 1997، والتي مضى على إطلاقها عشر سنوات كاملة.
فهذه المبادرة، وما تبعها من كتب المراجعات التي أصدرتها الجماعة، يمثلان محاولة جادة مارستها الجماعة الإسلامية لنقد أصولها الفكرية التي صاغت على أساسها منهجها في التعامل مع الدولة.
فمن المعروف أن فصائل العمل الإسلامي لديها حساسية شديدة من أن يقترب أحد لها بالنقد، سواء في الممارسات السياسية، أو في الثوابت والتوجهات الفكرية.
لكن قادة الجماعة الإسلامية، وبعد مرور أكثر من 16 عاماً في السجون، وبعد قراءة وبحث وتمحيص وتوفر على المراجع الفقهية المعتبرة، ساعدهم عليها الوقت الممتد والتفرغ الكامل داخل السجون، كان لديهم الشجاعة أن يعلنوا على الملأ أنهم ارتكبوا أخطاء كبيرة، وأنهم اجتهدوا فأخطأوا، فأصدروا مشروعاً فكرياً وثقافياً وشرعياً، في أكثر من ثلاثين كتاباً حتى الآن، يؤسسون فيه لرؤية أكثر عمقاً ووسطية وتوازناً، للتصالح مع مجتمعهم.
وإذا كان الإخوان المسلمون قد رجعوا عن أساليب العمل العسكري، وحلوا النظام الخاص، وامتنعوا عن ممارسة العنف، بعد أن خرجوا من السجون في سبعينات القرن الماضي، فإنهم لم تكن لهم مراجعات فكرية وشرعية تتبرأ علناً من نهج العنف، مثلما فعلت الجماعة الإسلامية.
الإخوان راجعوا أنفسهم وتخلوا عن العنف، ورأوا أن يثبتوا للجميع هذا التوجه الجديد بالممارسة وليس بالقول، وكانوا صادقين فعلاً في توجههم الجديد، فلم تسجل ضد أحدهم أية حادثة لممارسة العنف منذ أن خرجوا من السجون.
لكن رغم ذلك، فإنني أرى أن مراجعات الجماعة الإسلامية كانت أكثر صراحة بكثير، وأكثر شمولاً، وأكثر جرأة، ولم ينظر قادة الجماعة الإسلامية إلى أية تداعيات سلبية لهذه المراجعات، من قبيل أن الجماعة قد تخلت عن الجهاد، وعن كذا وكذا، فماذا بقي لها؟ وما هو مبرر وجودها؟ أو أن عزائم قادتها قد انهارت، ولم تتحمل فتنة السجن. لكن الجماعة لم تنظر إلى كل ذلك، وإنما نظرت إلى مصالح شرعية أكثر بكثير من هذه الرؤية المحدودة.
سابقة فريدة
إن مبادرة الجماعة الإسلامية تعتبر سابقة فريدة من نوعها في الحركة الإسلامية عامة وفى الحركات السياسية خاصة، فهذه أول حركة إسلامية تراجع نفسها وتصحح مسيرتها بنفسها، وتقوم بعملية نقد ذاتي كبير، تقر فيه ما كان صحيحاً من عملها مثل الدعوة إلى الله وهداية الخلق إلى الإسلام، وتربية النفوس على الفضيلة والنقاء، وترك المنكرات الظاهرة والباطنة، وتنفى ما كان في مسيرتها من أخطاء وهنات ومثالب، وتعترف بمسؤوليتها عن هذه الأخطاء في صراحة كلفتها الكثير.
كما أنها أول حركة إسلامية تعترف بكل العلميات التي قامت، بها فلم تقل إن الدولة هي التي دبرتها من أجل الإيقاع بها، ولم تعترف بنظرية المؤامرة التي تسود على نطاق واسع في الحركات الإسلامية والعربية والقومية، ورسخت مبدأين للتغيير في الإسلام، وهما منافيان لنظرية المؤامرة المعروفة، وهما مبدأ التغيير الإيجابي، ودليله قوله تعالى: [إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم]، ومبدأ التغيير السلبي، ودليله قوله تعالى: [ذلك بأن الله لم يك مغيرا ً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم]، ورسخت المبدأ القرآني: [أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم].
والجميع يعلم أنه يسود الحركة الإسلامية منذ زمن طويل أن حوادث النقراشى، والخازندار، والمنشية، والفنية العسكرية، والذهبى، ومقتل السادات، كلها من تدبير الحكومة أو المخابرات الأجنبية للإيقاع بالحركة الإسلامية،التي هي بريئة من كل عيب ومنزهة عن كل خطأ في هذه الأحداث.
لكن الجماعة الإسلامية اعترفت بكل العمليات القتالية التي قامت بها، واعتذرت عنها لكل من أصابه ضر منها، سواء كانوا من أفراد الجماعة الإسلامية نفسها أو من أفراد الشعب أو من الشرطة أو غيرها.
لماذا لم تستفد الجماعة الإسلامية من تجربة الإخوان؟
وقد اتهم كثير من الكتاب والمثقفين الإسلاميين الجماعة الإسلامية بأنها لم تستفد من تجربة الإخوان المسلمين التي أوصلتهم إلى السجون، وأنها وقعت في نفس الأخطاء.
وقد اعترف قادة الجماعة بالخطأ، وأرجعوه إلى قصور من ناحيتهم، نتج عن التعجل والحماسة الزائدة للدين، لأنهم بمجرد أنهم لم ينضووا تحت لواء الإخوان في السبعينات، انقطعت الصلات من جانبهم بطريقة لا تناسب الإخوة في الله.
كما أرجع قادة الجماعة الإسلامية سبب عدم استفادتهم من تجربة الإخوان، إلى قصور من ناحية الإخوان، إذ أنهم لم يذكروا حقيقة تاريخ النظام الخاص حتى الآن، وفهم الجميع منهم أن حادث المنشية ملفق وأنه مؤامرة، وهذا مخالف للحقيقة كما يعلم كل متمعن للتاريخ الحديث، وأن قتل النقراشي كان أمراً فردياً، وأن كل ما حدث منهم لم يخطأوا فيه في شيء، وأن كل التاريخ هو عبارة عن مؤامرة عليهم ولذلك لم تستفد الجماعة الإسلامية كثيراً من تجربتهم. بل إن قادة الجماعة الإسلامية يقولون إن كل ما سمعناه عن التعذيب والسحل وغيره في سجون عبد الناصر سحبناه أيضاً لا شعورياً على نظام السادات الذي لم يذكره أحد من دعاة الحركة الإسلامية في السبعينات بأي خير، مما أعطانا صورة سوداء مظلمة عن السادات وأنسانا الجوانب المضيئة له، وأنسانا أن عهده أفضل كثيراً للإسلام والمسلمين من عهد عبد الناصر، وقرر قادة الجماعة أنهم يريدون أن يستفيدوا من تجارب الآخرين ويحتاجون إلى ذلك شريطة أن يعرضها هؤلاء الآخرون عرضاً موضوعياً لا عرضاً دعائياً، بحيث يعرضون تجربتهم بكل إيجابياتها وسلبياتها.
فكر وسطي
إن الكتب التي أصدرتها الجماعة الإسلامية بعد المبادرة زاخرة بالمعاني الراقية، والفكر الوسطي، الذي كان مفتقداً في رؤية الجماعة الإسلامية قبل ذلك، حيث كان فكرها يغلب عليه العصبية والقطيعة مع المجتمع والانفعال. وحينما راجع قادة الجماعة الإسلامية أفكارهم وجدوا أنه من الخطأ أن تكون هناك حركات إسلامية تعتبر الجهاد غاية في ذاته وليس وسيلة شرعها الله في حالات مخصوصة لإعزاز الدين ونصرة الإسلام والمسلمين، والذود عن أرض وأموال وبلاد المسلمين. كما وجدوا أنه من الخطأ أن بعض الحركات الإسلامية تعتبر الجماعة نفسها غاية وليست وسيلة لتحقيق مقاصد الشرع، وتقدم الولاء للجماعة على الولاء للإسلام نفسه، وتوالي وتعادي على هذا الأساس. ووجدوا أن بعض الحركات الإسلامية لا تعتبر الخلاف في الأمور الفقهية الفرعية مظهراً من مظاهر رحمة الإسلام وعظمته وقدرته على حل كل المعضلات الفردية والعائلية والدولية، ويعتبرون أن أي خلاف فقهي معهم هو الك














